فخر الدين الرازي
119
تفسير الرازي
الأول فقد جاء في القرآن قال الله تعالى : * ( لوجدوا الله ) * ( النساء : 64 ) ولفظ الوجود ههنا بمعنى الوجدان والعرفان ، وأما بالمعنى الثاني فهو غير موجود في القرآن . فإن قالوا : لما حصل الوجود بمعنى الوجدان لزم حصول الوجود بمعنى الثبوت والتحقق إذ لو كان عدماً محضاً لما كان الأمر كذلك . فنقول : هذا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لا يلزم من حصول الوجود بمعنى الوجدان والمعرفة حصول الوجود بمعنى الثبوت ؛ لما ثبت أن المعدوم قد يكون معلوماً ، والثاني : أنا بينا أن هذا البحث ليس إلا في اللفظ ، فلا يلزم من حصول الاسم بحسب معنى حصول الاسم بحسب معنى آخر ، ثم نقول : ثبت بإجماع المسلمين إطلاق هذا الاسم فوجب القول به . فإن قالوا : ألستم قلتم إن أسماء الله تعالى يجب كونها دالة على المدح والثناء ، ولفظ الموجود لا يفيد ذلك ؟ . قلنا عدلنا عن هذا الدليل بدلالة الإجماع ، وأيضاً فدلالة لفظ الموجود على المدح أكثر من دلالة لفظ الشيء عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه عند قوم يقع لفظ الشيء على المعدوم كما يقع على الموجود ، أما الموجود فإنه لا يقع على المعدوم البتة ، فكان إشعار هذا اللفظ بالمدح أولى . الثاني : أن لفظ الموجود بمعنى المعلوم يفيد صفة المدح والثناء ، لأنه يفيد أن بسبب كثرة الدلائل على وجوده وإلهيته صار كأنه معلوم لكل أحد موجود عند كل أحد واجب الإقرار به عند كل عقل ، فهذا اللفظ أفاد المدح والثناء من هذا الوجه ، فظهر الفرق بينه وبين لفظ الشيء . معنى قولنا ذات الله : المسألة الثالثة : في الذات : روى عبد الله الأنصاري الهروي في الكتاب الذي سماه " بالفاروق " أخباراً تدل على هذا اللفظ : أحدها : عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من أعظم الناس أجراً الوزير الصالح من أمير يطيعه في ذات الله " ، وثانيها : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم لم يكذب إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله " ، وثالثها : عن كعب بن عجرة عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا علياً فإنه كان مخشوشاً في ذات الله " ، ورابعها : عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل ؟ قال : " أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله " وخامسها : عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أن للشيطان مصايد وفخوخاً منها البطر بأنعم الله ، والفخر بعطاء الله ، والكبر على عباد الله ، واتباع الهوى في غير ذات الله " .